كيف أصبحت كوريا الجنوبية دولة مبتكرة؟

31 أكتوبر 2019 - فيصل الغامدي

 

بعد انتهاء الحرب الكورية، بدى الاقتصاد الكوري هزيلًا جدًا، يعتمد على قطاع الزراعة بشكل أساسي. وبعد أربعة عقود، أصبحت كوريا الجنوبية أحد أكثر الدول تطورًا وحضارة فيما يعرف بـ “معجزة نهر هان".

في بداية عامنا الحالي احتلّت كوريا الجنوبية -كما صدر عن مؤشر بلومبيرغ للابتكار- المركز الأول كأكثر الدول ابتكارًا، وذلك للسنة السادسة على التوالي. ومن خلال تجربة دراستي التي امتدت لعامين في سيؤول، سأحاول ذكر بعض الأسباب التي جعلت من كوريا الجنوبية دولة مبتكرة:

 

1- التوجه الحكومي نحو الابتكار كضرورة مُلحّة.

كان على الحكومة الكورية إيجاد ميزة تنافسية على الأقل بالنسبة للاقتصادين المجاورين، الصين من جهة والمعتمدة على الأيدي العاملة غير المكلفة واقتصاديات حجم الإنتاج (Economy of scale)، واليابان من جهة وتاريخها الصناعي المعتمد على الجودة والفاعلية.

لذلك فقد تَغيّر التوجه بترك الصناعات ذات القيمة المنخفضة والمعتمدة على الأيدي العاملة نحو الصناعات الأكثر تعقيدًا والتي تحمل قيمة إضافية أكبر للاقتصاد المحلي.

لقد آمن الكوريّون بأنّ الطريق لإيجاد نموذجهم الخاص للاقتصاد يكمن في الابتكار.. في خلق منتجات تناسبهم، ومن ثم تتطوّر لتناسب تطلعات الأسواق العالمية. وبناء على ذلك فقد زاد حجم الإنفاق على قطاع البحث والتطوير فقط أكثر من 4.2٪ من الناتج المحلي. (كمقارنة عابرة، السعودية تنفق 0.8٪ فقط من ناتجها المحلي على البحث والتطوير).

 

2- التعليم كرافد أساسي لمنظومة الابتكار.

لاحظت الحكومة أن عائق الكادر البشري قد يُشكل تحديًا أمام تنامي الطلب الحاد في قطاع البحث والتطوير. لذلك أقدمت في السبعينيات والثمانينيات على التوسع في مؤسسات التعليم العالي وبناء معاهد حكومية تُركز على قطاعات معينة مثل العلوم والتقنية.

اليوم.. تصرف كوريا الجنوبية أكثر من 4٪ من ناتجها المحلي على التعليم. تلاميذها يتعلمون البرمجة من الصفوف الأولية، والكثير الكثير من دول العالم تبتعث طلابها لجامعات ومؤسسات كوريا التعليمية، لاسيما في مجالات العلوم والتقنية.

 

3- ربط الابتكار بالتحديات الواقعية.

كان أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة الكورية في وقت سابق، هو نشر ثقافة الابتكار عند القطاع الخاص حتى يتبنى تلك المبادرات وبالتالي تُضمن استمراريتها من الشركات التي تميزت بالكفاءة مقارنة بأجهزة الحكومة. لذلك أصدرت الحكومة عدة قوانين لتحفيز الشركات نحو الاستثمار بشكل أكبر في قطاع البحث والتطوير من خلال عدة تشريعات مثل الإعفاء الضريبي على الإنفاق في البحث والتطوير أو لاستيراد أي تقنيات أجنبية قد تفيد هذا القطاع على وجه الخصوص. ونتيجة لذلك فقط زادت نسبة إنفاق القطاع الخاص على البحث والتطوير لتصل إلى 80٪ في عام 2007 من مجموع إنفاق كوريا (20٪ فقط على الحكومة).

قد تكون التسهيلات الحكومية هي الدافع الأول لهذه النتيجة لكنها بالتأكيد ليست الدافع الأساسي بعد ذلك. حيث أن الشركات أدركت أهمية الابتكار في كونه حلًّا للتحديات الموجودة في السوق وعاملًا مهمًا لتطوير المنتجات والخدمات بما يتناسب مع تطلعات عملائها.

 

4- دور الشركات العملاقة. 

يوجد في كوريا ما يسمى "جيبول" (재벌 – Chaebols) وهي شركات ضخمة مثل سامسونغ، إل جي، هونداي ، اس كي وغيرها تملك تحتها عدة شركات في قطاعات مختلفة. وبالرغم أنّ الكثير من المصادر تتحدث عن بعض الآثار السلبية لها على الاقتصاد من ناحية الاحتكار وغيره، لكنني هنا أريد توضيح دورها في سرعة تبنّيها للابتكار كثقافة واستراتيجية ضرورية. فكون المالك طرفٌ واحد (سواء كان فردًا، عائلة، جهة) لكل هذه الشركات، فهذا يُمكّنه من التحكم في الجودة، تبديد البيروقراطية وبالتأكيد سرعة تنفيذ وتطوير الأفكار من مراكز الابتكار وحتى وصولها لأسواق القطاعات المختلفة كمنتجات بشكلها النهائي.

وربما من الجيد في هذا السياق أن أذكر مثالًا محليّا كشركة ساب. حيث أنّ أحد أسباب كثرة براءات الاختراع التي يتم الإعلان عنها هو لقربها من السوق كونها أحد اللاعبين فيه بالإضافة لتملكها الموارد الأساسية التي قد تُستغل بشكل سريع وفعّال لإيجاد الحلول المناسبة لأي تحدٍّ قد يؤثر على أداء الشركة.

 

وبالطبع.. فهناك أسباب أخرى كثيرة جعلت من كوريا الدولة التي نعرفها اليوم مثل جودة البنية التحتية، تنظيم وفتح الاستثمار الأجنبي وغيرها.

 

وأودّ التأكيد بأنّه من خلال جسارة، هنالك محاولة طموحة لإدراك وتوفير بعض هذه العناصر كعوامل أساسية للدفع بعجلة الابتكار في السعودية والعالم العربي.

فمثلًا تحرص جسارة على أن تكون التحديات المتاحة على منصتها تحدياتٍ حقيقية تواجه شركاءها في السوق. هذه التحديات إما أن تكون مشاكل تُعيقهم عن أداء عملهم، أو فرصًا يسعون من خلالها إلى التطوير والتحسين. كما أنّ جسارة تحرص لإضافة أبعاد مختلفة للابتكار كالتحديات الثقافية والصحية والرياضية وغيرها دون أن تكون منحصرة في مجال التقنية أو الإدارة كما هو حاصل في كثير من الممارسات الأخرى.

 

وختامًا، تحلُم جسارة بأن تكون قناة تحظى بثقة مؤسسات الوطن وأفراده على حدٍّ سواء، وتسعى لربط احتياجات الجهات والشركات بالمواهب والعقول من أبناء وطننا العربي.

 

لذلك يوقظنا سؤالٌ وحيد -نعمل عليه طيلة اليوم، وكل يوم- وهو:

ماذا لو اجتمعت كل العقول المبتكرة في مكانٍ واحد؟!